ديكتاتورية الدولة الدينية‏!‏

فبراير 9, 2010 at 11:30 ص أضف تعليق

بقلم: مكرم محمد أحمد
في حكم قاطع الدلالة تؤكده تجارب الواقع القريب والواقع البعيد‏,‏ أعلن قطب المعارضة الإيرانية حسين موسوي الذي شغل منصب رئيس وزراء إيران لأكثر من أربعة أعوام وكان جزءا من الحوزة الإيرانية الحاكمة من بداية ولاية الفقيه علي عهد الإمام خميني‏,
‏ ان الديكتاتورية الدينية هي أسوأ أنواع الديكتاتوريات وأشدها ظلاما وظلمة‏,‏ جاءت تصريحات الرجل في معرض تعليقه علي حكم بإعدام اثنين من الإيرانيين‏,‏ شاركا في المظاهرات الأخيرة التي خرجت في شوارع طهران تعترض علي انتخابات الرئاسة الإيرانية‏,‏ يمثلان الوجبة الأولي من أحكام الإعدام التي صدرت ضد تسعة آخرين في وجبة ثانية يتم تنفيذها قبل موعد الاحتفال بالذكري الحادية والثلاثين للثورة الإيرانية‏.‏
وقال موسوي‏,‏ إن نظام الحكم الراهن الذي يمثل أبشع صور الديكتاتورية الدينية كمم الأفواه وملأ السجون بالمعتقلين وأغلق الصحف‏,‏ ومارس صورا من العنف بالغة الوحشية الي حد إطلاق القناصة الإيرانيين الرصاص علي الفتيات اللائي يشاركن في التظاهر‏,‏ وأن جذور الظلم الديكتاتورية التي كانت موجودة في نظام الشاه لاتزال مستمرة في حكم آيات الله‏,‏ وأن الأمور لم تختلف كثيرا عن سابق عهدها تحت حكم الحرس الثوري ورجال الباسيج المسلحين الذين يحكمون شوارع العاصمة الإيرانية ويتخفون في ثياب مدنية يسومون الناس كل صور القهر والتعذيب في الشوارع وداخل السجون والمعتقلات‏,‏ بعد أن أصبحوا علي قمة السلطة في طهران‏,‏ يتولون أمن النظام ويسيطرون علي جميع مؤسساته المدنية والعسكرية والاقتصادية لا يستطيع أحد أن يكبح جماحهم‏.‏
وبرغم أحكام الإعدام التي تصدر بالجملة ضد مواطنين كل جريمتهم أنهم خرجوا للتظاهر وصور القهر الأخري التي تلاحق عشرات المثقفين وأساتذة الجامعات وعددا من شيوخ الحوزة الدينية وتلاميذها المعارضين‏,‏ يتوقع الجميع خروج المعارضة الي شوارع طهران في موجة جديدة من المظاهرات في الذكري الحادية والثلاثين للثورة برغم إجراءات الأمن المشددة‏,‏ لأن الجميع ضاقوا ذرعا بممارسات الحكم بالغة الوحشية‏,‏ ولأن المعارضة الإيرانية التي بدأت بالاعتراض علي انتخابات الرئاسة في عدد من الدوائر تحولت الي حركة سياسية واجتماعية‏,‏ تتعدد روافدها داخل فئات عديدة من المجتمع الإيراني‏,‏ ترفض نظام الحكم وتعلن عزمها علي تغييره‏,‏ وتهتف كلما خرجت الي الشوارع بسقوط الديكتاتورية‏,‏ إشارة الي مرشد الثورة علي خامنئي‏.‏
وتكاد حركة المعارضة التي تضم نسبة كبيرة من شباب الجامعات والمهنيين وفئات الطبقة الوسطي‏,‏ كما تضم قطاعات واسعة من المرأة تقسم الشارع السياسي الي مؤيدين ومعارضين في استقطاب حاد‏,‏ يزيده تصميما وإصرارا تصلب المحافظين وعنادهم‏,‏ واتهامهم قيادات المعارضة كموسوي وكروبي وخاتمي وجميعهم كانوا جزءا من رموز الحوزة الدينية بالخيانة والعمالة‏,‏ وإغلاقهم الأبواب في وجه أية محاولات تستهدف المصالحة الوطنية‏,‏ ورفضهم تقديم أي تنازلات إصلاحية تساعد علي إعادة التماسك لجبهة داخلية ممزقة‏,‏ وجنوحهم الشديد الي استبعاد الآخرين إلا أن يوافقوهم الرأي بالكامل‏,‏ إما أن تكون معهم أو عليهم‏,‏ وبسبب هذه القسمة الفاصلة تم استبعاد آية الله هاشمي رافسنجاني الذي كان يمكن أن يكون همزة الوصل بين المحافظين والاصلاحيين‏,‏ يجنب الحكم هذا الشرخ العميق الذي يزداد اتساعا في ظروف تشتد فيها ضغوط الخارج‏,‏ تنذر بإمكان استصدار مجموعة رابعة من العقوبات يصدرها مجلس الأمن‏,‏ تركز علي قيادات الحرس الثوري التي تمسك الآن بكل خيوط اللعبة في طهران‏,‏ وتتزايد فيها المخاوف من إمكان اللجوء الي القوة العسكرية لحسم مشكلة الملف النووي الإيراني‏.‏
وما من شك في أن جزءا من مشكلة الحكم في إيران يعود الي طبيعة النظام الذي يحكم طهران منذ ثورة خميني‏,‏ ويكرس سلطة القرار في شخص الفقيه أو الولي أو المرشد الأعلي الذي يمثل السلطة والمرجعية الأخيرة وتعلو مكانته فوق كل السلطات بما في ذلك المؤسسات النيابية وكل هيئات المجتمع المدني‏,‏ له وحده حق الأمر والنهي‏,‏ ويتصرف منفردا في جميع شئون الدولة التي تتعلق بالسياسة والأمن والدفاع‏,‏ يسيطر علي جميع مؤسساتها ابتداء من الأمن الي المخابرات والجيش والإعلام كما يتبعه قوات الحرس الثوري والباسيج‏,‏ وهو فوق كل هذه السلطات المخول وحده بتفسير النص الديني علي نحو ملزم يضع مخالفيه في دائرة المروق‏,‏ أو يحكم عليهم بالخيانة والعمالة‏,‏ وبرغم أن رؤيته للنص الديني تظل رؤية بشرية إنسانية يمكن أن تصيب أو تخطيء‏,‏ ويمكن أن يخالطها دوافع ذاتية‏,‏ فإن هذه الرؤية ترتفع في الدولة الدينية الي مستوي القداسة الذي يعصمها من الخطأ‏,‏ ويحصنها من النقد‏,‏ ويجعلها فوق الحوار والمناقشة‏,‏ لأنه الولي أو الفقيه أو المرشد الأعلي‏,‏ يرسم السياسات باسم الله ويصدر التشريعات باسم الله‏,‏ والذي يطيعه فقد أطاع الله والذي يخالفه أو يحاربه أو يعصاه فقد خالف وعصي وحارب الله‏,‏ وما يجري علي لسانه من قول أو حكم هو قول الله وحكمه الذي لا يقبل المراجعة أو النقاش‏.‏
وفي ظل الادعاء بالعصمة والقداسة لشخص الولي أو المرشد والفقيه‏,‏ تنحصر العلاقة بين الحاكم والمحكوم الي حدود الطاعة العمياء‏,‏ ويغيب حق الحوار والنقد والنقاش والمراجعة والمكاشفة‏,‏ وتقصف الأقلام وتطوي الصحف ويلقي بالصحفيين والمثقفين وأصحاب الرأي في المعتقلات والسجون تلاحقهم تهم العلمانية والكفر‏,‏ ويتم الاعتداء علي كل الحريات الشخصية باسم الدين ويجري تحريم الفن والموسيقي والغناء وكل صور الابداع باعتبارها بدعا وضلالات مصيرها النار‏,‏ ويتم أبشع صور التمييز ضد المرأة‏,‏ يفرضون عليها الجهل والتخلف لأنها مجرد عورة‏,‏ وتتعرض للاضطهاد والقتل لأتفه الأسباب‏,‏ وعادة ما ينتعش في ظل هذه الديكتاتورية الدينية الفساد والرشوة والتمييز الديني وينتهي الأمر بشرخ طولي عميق يقسم المجتمع ويمزق جبهته الداخلية ويفسد وحدته الوطنية لتفشي صور التمييز التي تلغي حقوق المواطنة‏,‏ وغياب ثقافة الحلول الوسط التي تضمن وحدة النسيج الوطني‏,‏ ورسوخ معايير الكفر والإيمان بدلا من معايير الخطأ والاجتهاد التي تكمم الأفواه وتنشر الخوف‏,‏ ويتم اعتبار كل اجتهاد خروجا عن النص‏,‏ فإذا انطوي تركيب الدولة علي وجود عدد من المنتمين لديانات وطوائف أخري فغالبا ما يسود سوء الفهم والقصد‏,‏ وتتسع صور التمييز بين الطوائف‏,‏ والأديان وربما تصل الأمور الي حافة الحرب الأهلية‏.‏
وثمة أمثلة عديدة من الواقع الراهن ومن أحداث التاريخ القريب تؤكد صحة الحكم قاطع الدلالة‏,‏ الديكتاتورية الدينية هي أسوأ أنواع الديكتاتوريات الذي أصدره قطب المعارضة الإيرانية حسين موسوي بعد أحكام الإعدام التي صدرت بالجملة علي‏11‏ مواطنا ايرانيا كل جريمتهم أنهم تظاهروا في الشارع‏.‏
وتجسد الحرب الإيرانية العراقية التي أعلنها خميني واستمرت عدة أعوام‏,‏ أكلت مقدرات البلدين وأودت بحياة أجيال كاملة من شبابهما‏,‏ والحرب الأهلية التي جرت في جنوب السودان باعتبارها حربا علي الكفار الذين يرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية التي عمقت الشعور في الجنوب بضرورة انفصاله عن الشمال في دولة مستقلة‏,‏ يمكن أن يتم إعلانها في يناير المقبل‏,‏ والحرب الأهلية في الجزائر التي حصدت أرواح عشرات الألوف من الجزائريين ولاتزال تشكل جرحا لم يندمل بعد‏.‏
تجسد هذه الحروب الثلاث أمثلة واضحة علي أخطاء مروعة لقرارات سياسية حكمتها رؤي دينية تصر علي المطلق وترفض الحلول الوسط‏,‏ وتعطي لقرارات إنسانية يمكن أن تخطيء أو تصيب صفات إلهية غير صحيحة تحصنها من النقد والنقاش والمراجعة‏.‏
ومع الأسف تضيع في الديكتاتوريات الدينية حقوق الأفراد والجماعات‏,‏ وتنتشر صور التمييز الديني تباعد بين أبناء الوطن الواحد‏,‏ وتهبط حقوق المواطن ان اختلف دينه الي حدود الذمي الذي ينبغي أن يدفع الجزية والمطالب أبدا بإثبات انتمائه الوطني‏,‏ تمسكا بتفسيرات متعسفة للنص الديني لا تقبل التأويل والاجتهاد الذي يبرره أحداث ووقائع عديدة في التاريخ الإسلامي تؤكد احترام الإسلام لحرية العقيدة واعترافه بكل الأديان السابقة‏,‏ وحسن تقديره للضرورات التي تبيح المحظورات‏,‏ وتقديمه لمصالح العباد علي أي اعتبار آخر‏,‏ ودرء المخاطر قبل جلب المنافع‏,‏ وتفويض الناس في كل عصر وزمان أن يبتكروا من الحلول ما يناسب تطور حياتهم لأنهم أعرف من غيرهم بدنياهم ماداموا يحافظون علي ثوابت الشريعة‏.‏
وبسبب هذا التزمت في فهم النص الديني علي نحو أحادي الجانب‏,‏ وغياب الاجتهاد سيطرة وجهة نظر واحدة‏,‏ ساد التعصب وغاب التواصل وتباعدت المسافات بين الفهم الديني لدور الدولة ومقتضيات التطوير والتحديث‏,‏ بما زاد من حجم الفجوة بين معايير الدين التي هي بالضرورة معايير مطلقة‏,‏ ومعايير السياسة التي هي بالضرورة نسبية تقبل التصالح والتفاهم والقبول بحلول وسط‏.‏
ومما زاد من بعد المسافات إصرار المناصرين للدولة الدينية عمدا علي اعتبار العلمانية نوعا من الإلحاد وليس مجرد نهج في التفكير يفصل بين السياسة والدين‏,‏ وبين الدين والدولة‏,‏ يعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله‏,‏ يلتزم مباديء الديمقراطية والحرية‏,‏ ويعترف بالتعدد ويحض علي قبول الآخر ويرفض استخدام الدين مطية للوصول الي السلطة‏,‏ برغم أن العلمانية بصرف النظر عن ملاءمتها أو عدم ملاءمتها للمجتمعات الإسلامية‏,‏ لا تأخذ موقف العداء من الدين ولا تحض علي الإلحاد وانما تعتبر الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه‏,‏ معيارها إيمان القلب وصحوة الضمير‏,‏ يصر المناصرون للدولة الدينية دون أي سند من عقل أو منطق علي وصف العلمانية بالكفر في نوع من التضليل والخداع هدفه تكفير من يرفض الدولة الدينية لخلطها المدمر بين سلطة الحاكم الذي هو في النهاية بشر يخطيء أو يصيب وسلطة الله الذي لا راد لأمره وحكمه‏,‏ وبدلا من أن تكون الأمة مصدر السلطات في نظام ديمقراطي إنساني يقبل الحوار والمراجعة ويتيح حق الانتخاب والسؤال والمساءلة‏,‏ ويضع علي رأس الحكم بشرا يمكن حسابه ومساءلته‏,‏ تفرض الديكتاتوريات الدينية حاكما فردا هو الفقيه أو الولي أو المرشد‏,‏ تمنحه سلطات بغير حدود وتجعله يحكم الناس باعتباره ظل الله علي الأرض‏,‏ من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصي الله‏,‏ يتحكم علي نحو مطلق في رقاب العباد ولا يستطيع أحد أن يناقشه الحساب‏.‏
جريدة الاهرام

ديكتاتورية الدولة الدينية‏!‏ بقلم: مكرم محمد أحمد
بقلم: مكرم محمد أحمد  في حكم قاطع الدلالة تؤكده تجارب الواقع القريب والواقع البعيد‏,‏ أعلن قطب المعارضة الإيرانية حسين موسوي الذي شغل منصب رئيس وزراء إيران لأكثر من أربعة أعوام وكان جزءا من الحوزة الإيرانية الحاكمة من بداية ولاية الفقيه علي عهد الإمام خميني‏, ‏ ان الديكتاتورية الدينية هي أسوأ أنواع الديكتاتوريات وأشدها ظلاما وظلمة‏,‏ جاءت تصريحات الرجل في معرض تعليقه علي حكم بإعدام اثنين من الإيرانيين‏,‏ شاركا في المظاهرات الأخيرة التي خرجت في شوارع طهران تعترض علي انتخابات الرئاسة الإيرانية‏,‏ يمثلان الوجبة الأولي من أحكام الإعدام التي صدرت ضد تسعة آخرين في وجبة ثانية يتم تنفيذها قبل موعد الاحتفال بالذكري الحادية والثلاثين للثورة الإيرانية‏.‏وقال موسوي‏,‏ إن نظام الحكم الراهن الذي يمثل أبشع صور الديكتاتورية الدينية كمم الأفواه وملأ السجون بالمعتقلين وأغلق الصحف‏,‏ ومارس صورا من العنف بالغة الوحشية الي حد إطلاق القناصة الإيرانيين الرصاص علي الفتيات اللائي يشاركن في التظاهر‏,‏ وأن جذور الظلم الديكتاتورية التي كانت موجودة في نظام الشاه لاتزال مستمرة في حكم آيات الله‏,‏ وأن الأمور لم تختلف كثيرا عن سابق عهدها تحت حكم الحرس الثوري ورجال الباسيج المسلحين الذين يحكمون شوارع العاصمة الإيرانية ويتخفون في ثياب مدنية يسومون الناس كل صور القهر والتعذيب في الشوارع وداخل السجون والمعتقلات‏,‏ بعد أن أصبحوا علي قمة السلطة في طهران‏,‏ يتولون أمن النظام ويسيطرون علي جميع مؤسساته المدنية والعسكرية والاقتصادية لا يستطيع أحد أن يكبح جماحهم‏.‏وبرغم أحكام الإعدام التي تصدر بالجملة ضد مواطنين كل جريمتهم أنهم خرجوا للتظاهر وصور القهر الأخري التي تلاحق عشرات المثقفين وأساتذة الجامعات وعددا من شيوخ الحوزة الدينية وتلاميذها المعارضين‏,‏ يتوقع الجميع خروج المعارضة الي شوارع طهران في موجة جديدة من المظاهرات في الذكري الحادية والثلاثين للثورة برغم إجراءات الأمن المشددة‏,‏ لأن الجميع ضاقوا ذرعا بممارسات الحكم بالغة الوحشية‏,‏ ولأن المعارضة الإيرانية التي بدأت بالاعتراض علي انتخابات الرئاسة في عدد من الدوائر تحولت الي حركة سياسية واجتماعية‏,‏ تتعدد روافدها داخل فئات عديدة من المجتمع الإيراني‏,‏ ترفض نظام الحكم وتعلن عزمها علي تغييره‏,‏ وتهتف كلما خرجت الي الشوارع بسقوط الديكتاتورية‏,‏ إشارة الي مرشد الثورة علي خامنئي‏.‏وتكاد حركة المعارضة التي تضم نسبة كبيرة من شباب الجامعات والمهنيين وفئات الطبقة الوسطي‏,‏ كما تضم قطاعات واسعة من المرأة تقسم الشارع السياسي الي مؤيدين ومعارضين في استقطاب حاد‏,‏ يزيده تصميما وإصرارا تصلب المحافظين وعنادهم‏,‏ واتهامهم قيادات المعارضة كموسوي وكروبي وخاتمي وجميعهم كانوا جزءا من رموز الحوزة الدينية بالخيانة والعمالة‏,‏ وإغلاقهم الأبواب في وجه أية محاولات تستهدف المصالحة الوطنية‏,‏ ورفضهم تقديم أي تنازلات إصلاحية تساعد علي إعادة التماسك لجبهة داخلية ممزقة‏,‏ وجنوحهم الشديد الي استبعاد الآخرين إلا أن يوافقوهم الرأي بالكامل‏,‏ إما أن تكون معهم أو عليهم‏,‏ وبسبب هذه القسمة الفاصلة تم استبعاد آية الله هاشمي رافسنجاني الذي كان يمكن أن يكون همزة الوصل بين المحافظين والاصلاحيين‏,‏ يجنب الحكم هذا الشرخ العميق الذي يزداد اتساعا في ظروف تشتد فيها ضغوط الخارج‏,‏ تنذر بإمكان استصدار مجموعة رابعة من العقوبات يصدرها مجلس الأمن‏,‏ تركز علي قيادات الحرس الثوري التي تمسك الآن بكل خيوط اللعبة في طهران‏,‏ وتتزايد فيها المخاوف من إمكان اللجوء الي القوة العسكرية لحسم مشكلة الملف النووي الإيراني‏.‏وما من شك في أن جزءا من مشكلة الحكم في إيران يعود الي طبيعة النظام الذي يحكم طهران منذ ثورة خميني‏,‏ ويكرس سلطة القرار في شخص الفقيه أو الولي أو المرشد الأعلي الذي يمثل السلطة والمرجعية الأخيرة وتعلو مكانته فوق كل السلطات بما في ذلك المؤسسات النيابية وكل هيئات المجتمع المدني‏,‏ له وحده حق الأمر والنهي‏,‏ ويتصرف منفردا في جميع شئون الدولة التي تتعلق بالسياسة والأمن والدفاع‏,‏ يسيطر علي جميع مؤسساتها ابتداء من الأمن الي المخابرات والجيش والإعلام كما يتبعه قوات الحرس الثوري والباسيج‏,‏ وهو فوق كل هذه السلطات المخول وحده بتفسير النص الديني علي نحو ملزم يضع مخالفيه في دائرة المروق‏,‏ أو يحكم عليهم بالخيانة والعمالة‏,‏ وبرغم أن رؤيته للنص الديني تظل رؤية بشرية إنسانية يمكن أن تصيب أو تخطيء‏,‏ ويمكن أن يخالطها دوافع ذاتية‏,‏ فإن هذه الرؤية ترتفع في الدولة الدينية الي مستوي القداسة الذي يعصمها من الخطأ‏,‏ ويحصنها من النقد‏,‏ ويجعلها فوق الحوار والمناقشة‏,‏ لأنه الولي أو الفقيه أو المرشد الأعلي‏,‏ يرسم السياسات باسم الله ويصدر التشريعات باسم الله‏,‏ والذي يطيعه فقد أطاع الله والذي يخالفه أو يحاربه أو يعصاه فقد خالف وعصي وحارب الله‏,‏ وما يجري علي لسانه من قول أو حكم هو قول الله وحكمه الذي لا يقبل المراجعة أو النقاش‏.‏وفي ظل الادعاء بالعصمة والقداسة لشخص الولي أو المرشد والفقيه‏,‏ تنحصر العلاقة بين الحاكم والمحكوم الي حدود الطاعة العمياء‏,‏ ويغيب حق الحوار والنقد والنقاش والمراجعة والمكاشفة‏,‏ وتقصف الأقلام وتطوي الصحف ويلقي بالصحفيين والمثقفين وأصحاب الرأي في المعتقلات والسجون تلاحقهم تهم العلمانية والكفر‏,‏ ويتم الاعتداء علي كل الحريات الشخصية باسم الدين ويجري تحريم الفن والموسيقي والغناء وكل صور الابداع باعتبارها بدعا وضلالات مصيرها النار‏,‏ ويتم أبشع صور التمييز ضد المرأة‏,‏ يفرضون عليها الجهل والتخلف لأنها مجرد عورة‏,‏ وتتعرض للاضطهاد والقتل لأتفه الأسباب‏,‏ وعادة ما ينتعش في ظل هذه الديكتاتورية الدينية الفساد والرشوة والتمييز الديني وينتهي الأمر بشرخ طولي عميق يقسم المجتمع ويمزق جبهته الداخلية ويفسد وحدته الوطنية لتفشي صور التمييز التي تلغي حقوق المواطنة‏,‏ وغياب ثقافة الحلول الوسط التي تضمن وحدة النسيج الوطني‏,‏ ورسوخ معايير الكفر والإيمان بدلا من معايير الخطأ والاجتهاد التي تكمم الأفواه وتنشر الخوف‏,‏ ويتم اعتبار كل اجتهاد خروجا عن النص‏,‏ فإذا انطوي تركيب الدولة علي وجود عدد من المنتمين لديانات وطوائف أخري فغالبا ما يسود سوء الفهم والقصد‏,‏ وتتسع صور التمييز بين الطوائف‏,‏ والأديان وربما تصل الأمور الي حافة الحرب الأهلية‏.‏وثمة أمثلة عديدة من الواقع الراهن ومن أحداث التاريخ القريب تؤكد صحة الحكم قاطع الدلالة‏,‏ الديكتاتورية الدينية هي أسوأ أنواع الديكتاتوريات الذي أصدره قطب المعارضة الإيرانية حسين موسوي بعد أحكام الإعدام التي صدرت بالجملة علي‏11‏ مواطنا ايرانيا كل جريمتهم أنهم تظاهروا في الشارع‏.‏وتجسد الحرب الإيرانية العراقية التي أعلنها خميني واستمرت عدة أعوام‏,‏ أكلت مقدرات البلدين وأودت بحياة أجيال كاملة من شبابهما‏,‏ والحرب الأهلية التي جرت في جنوب السودان باعتبارها حربا علي الكفار الذين يرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية التي عمقت الشعور في الجنوب بضرورة انفصاله عن الشمال في دولة مستقلة‏,‏ يمكن أن يتم إعلانها في يناير المقبل‏,‏ والحرب الأهلية في الجزائر التي حصدت أرواح عشرات الألوف من الجزائريين ولاتزال تشكل جرحا لم يندمل بعد‏.‏تجسد هذه الحروب الثلاث أمثلة واضحة علي أخطاء مروعة لقرارات سياسية حكمتها رؤي دينية تصر علي المطلق وترفض الحلول الوسط‏,‏ وتعطي لقرارات إنسانية يمكن أن تخطيء أو تصيب صفات إلهية غير صحيحة تحصنها من النقد والنقاش والمراجعة‏.‏ومع الأسف تضيع في الديكتاتوريات الدينية حقوق الأفراد والجماعات‏,‏ وتنتشر صور التمييز الديني تباعد بين أبناء الوطن الواحد‏,‏ وتهبط حقوق المواطن ان اختلف دينه الي حدود الذمي الذي ينبغي أن يدفع الجزية والمطالب أبدا بإثبات انتمائه الوطني‏,‏ تمسكا بتفسيرات متعسفة للنص الديني لا تقبل التأويل والاجتهاد الذي يبرره أحداث ووقائع عديدة في التاريخ الإسلامي تؤكد احترام الإسلام لحرية العقيدة واعترافه بكل الأديان السابقة‏,‏ وحسن تقديره للضرورات التي تبيح المحظورات‏,‏ وتقديمه لمصالح العباد علي أي اعتبار آخر‏,‏ ودرء المخاطر قبل جلب المنافع‏,‏ وتفويض الناس في كل عصر وزمان أن يبتكروا من الحلول ما يناسب تطور حياتهم لأنهم أعرف من غيرهم بدنياهم ماداموا يحافظون علي ثوابت الشريعة‏.‏وبسبب هذا التزمت في فهم النص الديني علي نحو أحادي الجانب‏,‏ وغياب الاجتهاد سيطرة وجهة نظر واحدة‏,‏ ساد التعصب وغاب التواصل وتباعدت المسافات بين الفهم الديني لدور الدولة ومقتضيات التطوير والتحديث‏,‏ بما زاد من حجم الفجوة بين معايير الدين التي هي بالضرورة معايير مطلقة‏,‏ ومعايير السياسة التي هي بالضرورة نسبية تقبل التصالح والتفاهم والقبول بحلول وسط‏.‏ومما زاد من بعد المسافات إصرار المناصرين للدولة الدينية عمدا علي اعتبار العلمانية نوعا من الإلحاد وليس مجرد نهج في التفكير يفصل بين السياسة والدين‏,‏ وبين الدين والدولة‏,‏ يعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله‏,‏ يلتزم مباديء الديمقراطية والحرية‏,‏ ويعترف بالتعدد ويحض علي قبول الآخر ويرفض استخدام الدين مطية للوصول الي السلطة‏,‏ برغم أن العلمانية بصرف النظر عن ملاءمتها أو عدم ملاءمتها للمجتمعات الإسلامية‏,‏ لا تأخذ موقف العداء من الدين ولا تحض علي الإلحاد وانما تعتبر الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه‏,‏ معيارها إيمان القلب وصحوة الضمير‏,‏ يصر المناصرون للدولة الدينية دون أي سند من عقل أو منطق علي وصف العلمانية بالكفر في نوع من التضليل والخداع هدفه تكفير من يرفض الدولة الدينية لخلطها المدمر بين سلطة الحاكم الذي هو في النهاية بشر يخطيء أو يصيب وسلطة الله الذي لا راد لأمره وحكمه‏,‏ وبدلا من أن تكون الأمة مصدر السلطات في نظام ديمقراطي إنساني يقبل الحوار والمراجعة ويتيح حق الانتخاب والسؤال والمساءلة‏,‏ ويضع علي رأس الحكم بشرا يمكن حسابه ومساءلته‏,‏ تفرض الديكتاتوريات الدينية حاكما فردا هو الفقيه أو الولي أو المرشد‏,‏ تمنحه سلطات بغير حدود وتجعله يحكم الناس باعتباره ظل الله علي الأرض‏,‏ من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصي الله‏,‏ يتحكم علي نحو مطلق في رقاب العباد ولا يستطيع أحد أن يناقشه الحساب‏.‏
جريدة الاهرام

Advertisements

Entry filed under: مقالات.

تغطية القاهرة اليوم للوقفة الاحتجاجية أمام مجلس الشعب اللجنة الوطنية تشارك فى ندوة نحو رؤية وطنية للخروج من نفق الطائفية المظلم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


ارسل موقعنا لصديق على الاميل او على الشبكات الاجتماعية

Bookmark and Share

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذه المدونة وتلقي الإخطارات عن المواضيع الجديدة لهذه المدونة عن طريق البريد الإلكتروني.

انضم 27 متابعون آخرين

شعارنا

لا للطائفية

معرض الصور على فيلكر

الاكثر شعبية

الأرشيف

عدد الزوار الى الان

  • 4٬276 hits

%d مدونون معجبون بهذه: