التمييز الدينى والعنف الطائفى

فبراير 18, 2010 at 12:42 م أضف تعليق

لا أعتقد أن الرجعية الطائفية فى مصر رأت فى حادث نجع حمادى موقفا مرغوبا، بل أدركت أن ماحدث خروج على المعقول والمنطقى، فهم لا يستحسنون إبادة المسيحيين أو التلويح بذلك، رغم الإصرار على معاملتهم كمواطنين منقوصى الحقوق.
يؤكد ذلك مهرجان الإدانة لمذبحة نجع حمادى  الذى يدفعك للتساؤل:من إرتكبها إذا كان الكل يدينها؟.
أدانها الإخوان والحكومة والجماعة الإسلامية وعبد الرحيم الغول والرئيس والمحافظ والداخلية” وحتى الكومى ربما يدينها”، وهذا الإجماع على موقف واحد “قد يصيب المراقب بالتعجب” ،لكنه نتيجة مباشرة لبلوغ السيل الزبى ،ووصول الأمور إلى مداها الغير محكوم ،و إلى نتائج عصية على السيطرة والتحكم ،حتى على” المخطط” لهذه الأحداث.
نعم إكتشف الجميع ،خاصة الدولة بمؤسساتها ،وحركات الرجعية الطائفية  ،أن الأمور ستخرج بقوة عن نطاقها المحلى ،وستصل إلى ضفاف التدخل الأجنبى والدولى ،    وهذا –فقط- ما سيربحونه من نتائج سياسات عفنة زرعوها بأيديهم  ،ولا يصلح معها تبريرات من قبيل أن الجانى مختل،أو أنه مستفز بسبب إغتصاب مسيحى لمسلمة”كل هذه التبريرات إنكشفت متهافتة أمام بشاعة الحدث”.
لكن هذه الصحوة التى ألمت بالجميع لن تجرؤ على خداعنا ، فهى ليست كافية كما نعلم،فقد جربناها بعد كل حدث عنيف، وتعايشنا- بعد كل مصيبة- مع الإهتمام الإعلامى المكثف بالآخر وقبول الآخر وفهم الآخر وفتحنا البرامج لرموز قبطية – غالبا ما تكون شديدة التعصب – مرات عدة وحوارات مع البابا ومع الأساقفة،واستعدنا مع الجميع روايات عيسى الغواص أيام صلاح الدين،وسيرة ثورة 19،و الشهيد فؤاد عزيز غالى فى حرب 73،وصداقة البابا شنودة لمتولى الشعراوى وإلخ ….إلخ.،وسرعان ما يسدل الستار على حفل الختام بعد العزف المركز الصاخب ،ثم “نكفى على الخبر ماجور” وتعود “ريما” لعادتها القديمة دون ذرة من حياء.
عادة ريما القديمة المتجددة قد تكون تكفير الأقباط على  صفحات الصحف القومية،أو نزع صفة الشهادة عن من قتل منهم دفاعا عن وطنه على قناة إعلامية رسمية وعلى لسان أحد مسئولى المؤسسة الدينية الكبرى،أو حديث متكرر عن عمالتهم للغرب المسيحى وإستقوائهم بالخارج، وغالبا ما تصل إلى حرق منازل وتدمير ممتلكات المسيحيين لو إجتمعوا بمنزل أحدهم للتعبد.
عادة ريما أيضا قد تكون فى هجوم زكريا بطرس على الدين الإسلامى ،أو الإصرار على عدم إحترام قوانين الزواج الثانى بحجة مخالفتها للشريعة المسيحية،والصراخ الجاهز عند كل قصة حب عن أسلمة القاصرات،وقد تكون فى نزع المصرية عن كل ما هو مسلم.
هكذا تعلمنا مرارا وتكرارا،  هذا المهرجان حييجى على “فاشوش”،وأدركنا أيضا أن الحلول الجذرية تحتاج-بعد إرادة سياسية- ردحا من الزمن ،بعد أن أصبح التمييز ذا جذور قوية فى الثقافة الشعبية،نتيجة لسياسة مرسومة بدقة  تعمدت الدولة ريها وتغذيتها بدأب شديد.
ولكننا يجب أن نحاول منع حدوث عنف طائفى مرة أخرى ،يجب أن نتصدى بكل قوة لتكرار مثل هذه الأحداث،يجب صياغة برنامج عاجل يعالج بؤر التوتر المتبادلة ويتصدى بكل قوة للقوى الظلامية  والتركيز على تحقيقه فى مدى زمنى قصير، وقبل أن تقع الواقعة.
كانت إستجابة المثقفين المصريين لأحداث الأسكندرية فى 2005 سريعة ومبشرة،وتبلورت فى تشكيل” مصريون ضد التمييز الدينى”، لكن سرعان ما تقزمت الآمال المتوقعة من هذه الجماعة،وإنحسر نشاطها فى النخبة.
فرغم نجاحاتها المتعددة،إلا أنها لم تستطع تحقيق نتائج ذات بال على صعيد خلق تيار جماهيرى واسع ضد التمييز الدينى،ولم تستطع الوقوف كحجر عثرة فى طريق التخلف  و ظلت أسيرة النخبة لأسباب عديدة ليس مجال شرحها الآن، وحتى على صعيد النخبة لم تحظ بتعاطف قطاعات مهمة من المثقفين ،بل إنسحب منها عدد لا بأس به  مللا من تحولها لحائط مبكى للمسيحيين من وجهة نظر بعضهم ،والبعض الآخر لم يتحمل  – من وجهة نظره- معاداة بعض أعضائها للحضارة العربية والإسلامية حتى فى وجهها المشرق .
رغم نبل أهدافها وجسارة أطروحاتها فى فضاء التخلف المهيمن ،لم تحظ برضا عديد من أعضائها مما عرقل أداءها نسبيا.
التصدى لمظاهر وتجليات العنف الطائفى وإن كان  يتطلب رؤية مناهضة التمييز الدينى الشاملة  ،فهو يحتاج  خطوات عاجلة تستهدف وقف التدهور ومنع النزيف قبل إزالة مسبباته الحقيقية. يجب أن نحاول منع حدوث عنف طائفى مرة أخرى ،يجب أن نتصدى بكل قوة لتكرار مثل هذه الأحداث،يجب رفع برنامج إنقاذ عاجل يعالج بؤر التوتر المتبادلة ويتصدى بكل قوة للقوى الظلامية على الطرفين  والتركيز على تنفيذه فى مدى زمنى قصير.
هناك من يرفض العنف الطائفى ويرفض علمانية “مصريون ضد التمييز الدينى”، كما يرفض المساس بالمادة الثانية من الدستور ويرى فى فهمه الدينى ما يكفل حقوق المواطنة للجميع، والآخر لا يسمح بالحديث عن وفاء قسطنطين، ويكره أن يتعلم إبنه فى مادة النصوص آية قرآنية كنص أدبى ، هناك من  يتعجب  من المطالبين بالدولة المدنية ويراهم لا دينيين يطلبون وقف تدريس الدين بالمدارس .
والحقيقة أننى وغيرى كثيرون  نختلف مع مجمل هذه الرؤية،و إن كان إختلافنا لايقلل من شرف وصدق حامليها خاصة من رأى فيما حدث كارثة تقود بتكرارها إلى ندوب بالجسد الوطنى غير قابلة للإلتئام، وحدد برؤية ثاقبة أن ما يحدث أبعد ما يكون عن الأديان، ووجه أصبع الإتهام نحو الفاعل الحقيقى .
هؤلاء كثير،وإن غابوا عنا فى “مصريون ضد التمييز الدينى” فنحن نحتاجهم فى “اللجنة الوطنية للتصدى للعنف الطائفى”.
سعيد ابو طالب

Advertisements

Entry filed under: مقالات.

أد إيه قلبي وَجَعني … لما أخدوا مِنِّي وَلدي محضر إجتماع لجنة النشاط السبت 6-2

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


ارسل موقعنا لصديق على الاميل او على الشبكات الاجتماعية

Bookmark and Share

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذه المدونة وتلقي الإخطارات عن المواضيع الجديدة لهذه المدونة عن طريق البريد الإلكتروني.

انضم 27 متابعون آخرين

شعارنا

لا للطائفية

معرض الصور على فيلكر

الاكثر شعبية

الأرشيف

عدد الزوار الى الان

  • 4٬278 hits

%d مدونون معجبون بهذه: