حكم ظالم في يوم مظلم

فبراير 23, 2010 at 11:09 م أضف تعليق

سعد هجرس
بصراحة.. ودون لف أو دوران.. نقول إن ما حدث في مجلس الدولة الأسبوع الماضي أمر بالغ الخطورة، لأنه لا يعنى فقط اتخاذ موقف غير عادل تجاه المرأة برفض تعيينها قاضية بالمجلس الموقر، وإنما يعنى أيضاً أن الأغلبية الساحقة من حضرات المستشارين أعضاء الجمعية العمومية لقضاة مجلس الدولة قد اختارت السير في طريق وعر يبدأ اليوم برفض تعيين المرأة قاضية وسيصل غداً- لا محالة- إلى إشهار «الفيتو» في وجه تعيين القاضي القبطي أيضاً.. لقد اختار حضرات المستشارين- باختصار- إعلان الحرب على الدولة المدنية الحديثة ومحاولة جر البلاد إلى الخلف وإعادة عقارب الزمن إلى الوراء لإحياء الدولة الدينية على جثة الدستور وأشلاء مواثيق حقوق الإنسان.
وإذا كان البعض- من أمثال المستشار محمود العطار نائب رئيس مجلس الدولة- قد حاول التخفيف من وطأة القرار الصدمة بقوله إن رفض التعيين جاء لدواع عملية تتعلق بتكدس القضايا، ونفى سيطرة أي اتجاهات دينية سلفية على الجمعية العمومية.. فإن هناك آخرين- من أمثال المستشار يحيى راغب دكروري- رئيس نادي قضاة مجلس الدولة، نائب رئيس المجلس- يقول إن أصل القضية هو أن القضاء «ولاية» وليس مجرد «وظيفة».
وأكد المستشار دكروري أن رفضه تولى المرأة القضاء مبنى ومستند على الإجماع الفقهي ومبادئ الشريعة، باعتبارها قضية شرعية بالأساس، خصوصا أن عمل المرأة في القضاء قد يصطدم بالمسائل الشرعية مثل الخلوة.. «فعندما تعمل المرأة قاضية في دوائر الحكم يستوجب عملها أن يغلق عليها باب غرفة المداولة مع قاضيين أو أكثر من الرجال.. ألا يعتبر اجتماعها معهم لساعات طويلة خلوة شرعية».
ومضى رئيس نادي قضاة مجلس الدولة أبعد من ذلك ليؤكد أن تولى المرأة القضاء يتناقض مع المادة الثانية من الدستور.
■ ■ ■
وأظن أن لجوء حضرات المستشارين إلى المادة الثانية من الدستور مسألة تستحق الانتباه.
فليس مجلس الدولة- مع كل الاحترام له- هو من يملك حق تفسير المادة الثانية أو غيرها من مواد الدستور. بل إن هذا الحق مكفول فقط للمحكمة الدستورية على سبيل الحصر.
كما أنه ليس من صلاحية مجلس الدولة النظر في هذه المادة أو اعتبارها مادة للتطبيق المباشر.
وبالتالي فإن تذرع مجلس الدولة بالمادة الثانية- التي بحت أصواتنا في المطالبة بتعديلها من قبل تحسبا لإساءة تأويلها على النحو الذي حدث- لا يبرر عدوان حضرات المستشارين على روح الدستور والكثير من نصوص مواده التي تؤكد أن «المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة».
كما أن تذرع حضرات المستشارين بالمادة الثانية وفق تفسيرهم الخاص لها- وهو حق لا يمتلكونه أصلا- يتناقض مع مبادئ المواطنة التي أقرتها المادة الأولى من الدستور.
■ ■ ■
كذلك فإن تذرع حضرات المستشارين باعتبارات «الملاءمة» مردود عليه بأن مجلس القضاء الأعلى قد حسم هذه المسألة منذ سبع سنوات. وبما أن هذه الصلاحية ممنوحة للمجلس الأعلى فإنه لا يصح لأحد أن يأتي بعدها ويقول «هذا رأيي»، أو أن تكون ذريعة «الملاءمة» مدخلاً لمناقشة «أصل الحق» الذي تم إقراره.
■ ■ ■
أما الزج بتفاصيل من قبيل أن المرأة القاضية يمكن أن تكون حاملاً، وأن شكلها وهى حامل من شأنه أن يؤثر على هيبة القضاء، أو أن ساعات الرضاعة قد تؤثر على سير الدعاوى القضائية التي تنظرها، فهي أمور فكاهية وكوميدية كنا نربأ بحضرات المستشارين عن أن يرددوها.
فمن العيب أن نناقش هذه السفاسف في الوقت الذي تشغل فيه المرأة أعظم المناصب السياسية والقضائية وغيرها في مشارق الأرض ومغاربها. بل إن نسبة النساء في سلك القضاء الفرنسي- مثلاً- أعلى من نسبة الرجال. ولا نظن أن القضاء في مجلس الدولة «الرجالي» أفضل من القضاء الفرنسي (الذي تصاب فيه القاضيات بداء الحمل والرضاعة ومع ذلك لا تهتز العدالة الفرنسية لسبب بسيط هو أنه لا أحد من الفرنسيين يهتم لجنس الملائكة أو يجادل فيه).
وينسى حضرات المستشارين الذين يسوقون هذه الحجج المتهافتة أن هناك في ربوع العالم العربي الآن أكثر من عشرة آلاف قاضية في سوريا ولبنان والعراق والأردن والسودان وتونس والمغرب واليمن. بل إن المرأة وصلت إلى رئاسة محكمة النقض في تونس كما وصلت إلى منصب النائب العام في سوريا منذ سنوات، دون أن يحول الحمل والرضاعة دون ذلك وأيضاً دون أن يهتز ميزان العدل!
بل إن حضرات المستشارين ينسون أيضاً أن هناك الآن في مصر ذاتها ٤٢ قاضية في المحاكم الجنائية والمدنية والاقتصادية والأسرة، واحدة منهن ترأس دائرة في محكمة الجيزة.
ولم يكن طريق المرأة المصرية إلى الجلوس على منصة القضاء مفروشا بالورود. يكفى أن نتذكر أن هذا الملف فتحته عام ١٩٥١ الدكتورة عائشة راتب منذ ٥٩ عاماً عندما تقدمت بطلب لتعيينها قاضية في مجلس الدولة بعد تخرجها في كلية الحقوق بتفوق، لكن طلبها رفض. فطعنت على هذا الرفض أمام مجلس الدولة ذاته. فما كان من رئيس مجلس الدولة في ذلك الحين العلامة الدكتور عبد الرازق السنهوري إلا إصدار حكم يؤكد أنه لا يوجد مانع دستوري أو قانوني أو شرعي يحول دون تعيين المرأة في سلك القضاء. وأن الأمر مرهون باعتبارات «الملاءمة» التي تقدرها الدولة التي تستطيع تحديد الوقت المناسب الذي تصبح فيه المرأة قاضية.
وبعد تسعة وخمسين عاماً من حكم السنهوري لا يزال حضرات المستشارين في مجلس الدولة يرون أن اعتبارات «الملاءمة» مازالت تتطلب الإرجاء، رغم أن مجلس القضاء الأعلى حسم المسألة منذ سبع سنوات، ورغم أن المحكمة الدستورية العليا- بجلالة قدرها- تتشرف بوجود قاضية بألف رجل هي المستشارة تهاني الحبالى!
■ ■ ■
لذلك فإن الموضوع ليس وليد الساعة، كما أن حضرات المستشارين الذين صوتت أغلبيتهم الساحقة ضد اشتغال المرأة قاضية لم يخترعوا العجلة بل إنهم لم يفعلوا أكثر من اجترار ميراث طويل من الذرائع والتبريرات التي تجاوزها العصر ونبذها العالم المتحضر، حتى الفكرة المحورية التي يستندون إليها والقائلة بأن القضاء «ولاية» وأن المرأة لا تصلح للولاية.. هذه الفكرة لم يعد لها محل من الإعراب ليس فقط في الدولة العصرية القائمة على المواطنة وإنما حتى في مصر بأوضاعها الحالية بعد فتوى الدكتور على جمعة مفتى الديار المصرية بأحقية المرأة بتولي منصب القضاء ورئاسة الجمهورية.
■ ■ ■
وأظن أن حضرات المستشارين قد أخطأوا خطأ فادحاً بدفع الأمور إلى هذا الاتجاه الخطير، الذي يمكن أن يفتح أبواب جهنم، في وقت تهب فيه على البلاد- بالفعل- رياح طائفية بغيضة محملة بفيروسات سامة تهدد وحدة الوطن والأمة.
ولا يمكن ترك مصير البلاد في مهب الريح لمجرد أن ٣٣٤ مستشاراً في مجلس الدولة- مع كل الاحترام لهم- يريدون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لأسباب فكرية أو انحيازات أيديولوجية أو لأي سبب آخر، علما بأن شعار «استقلال» القضاء لا علاقة له بالموضوع، لأن المجلس الأعلى للقضاء قال كلمته منذ سبع سنوات، وبالتالي فإننا أمام «انشقاق» أو حركة «انفصالية» وليس «استقلالاً».
فنحن مع استقلال القضاء تماما.. لكن ليس الاستقلال عن الحكومة فقط وإنما أيضاً الاستقلال عن القوى والتيارات التي تريد استغلال القضاء من أجل اغتيال الدولة المدنية الحديثة وإحالة أوراقها إلى المفتى.. الذي لا يجلس في دار الإفتاء وإنما في شارع مراد بالجيزة.

المصري اليوم

Advertisements

Entry filed under: مقالات.

مشاحنات طائفية بقرية الاقواد بالصف! أجتماع لجنة النشاط الثلاثاء القادم 2 مارس السابعة مساء بمقر مركز آفاق اشتراكية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


ارسل موقعنا لصديق على الاميل او على الشبكات الاجتماعية

Bookmark and Share

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذه المدونة وتلقي الإخطارات عن المواضيع الجديدة لهذه المدونة عن طريق البريد الإلكتروني.

انضم 27 متابعون آخرين

شعارنا

لا للطائفية

معرض الصور على فيلكر

الاكثر شعبية

الأرشيف

عدد الزوار الى الان

  • 4٬276 hits

%d مدونون معجبون بهذه: